الثلاثاء، 16 مارس 2010

الهــــــــجـــــرين


الهجرين المدنية الرابضة على الجبل تشكل مع جمال وروعة فنها المعماري الفريد لوحة جميلة مما يجعل الناظر إليها يقف في دهشة وتأمل لما يشاهده من طراز هندسي وجمالي يعجز عن وصفه للبيوت الشاهقة المتراصة المكونة من مواد بسيطة (الطين، الماء، التبل)على جانبي الجبل وبهذا التكوين الإبداعي والمنسجم مع لون التربة والجبال استطاع أن يشكل كلته من فنون العمارة الطينية التي تنفرد بها أرض الأحقاف كما يلتف حولها حزام من أشجار النخيل والسدر وتضم قرى(غار السودان، خريخر، صليع، القزة، الجدفرة، نحولة، ميخ، المشهد، حوطة النور).

الموقع والتسمية:

تقع الهجرين بين (صقع الكسر) و(وادي دوعن) الشهير وتتربع بعض آثارها على قمة جبل حصين وتعتبر من أفضل البلدان المحصنة وأمنعها وتتوسط وادي دوعن من الجهة الشرقية ووادي الغبر من الجهة الغربية اللذين يلتقيان شمال المدينة ثم ينحدران إلى وادي حضرموت وكأنها جزيرة يحيط بها الماء من جميع الاتجاهات ويوصف الجبل الذي يتوسط الجهتين (بالجمل البارك).

الهجرين واحدة من أعرق مدن حضرموت التاريخية والثقافية فهي حاضنة الشاعر الجاهلي المعروف امرئ القيس الكندي أحد رموز الحضارة القديمة وتعد قبلة للسياح ومزاراً لعدد من المثقفين والباحثين لما تكتنزه من معالم أثرية وتاريخية ومقومات سياحية متعددة الجوانب وتتميز بسوق تجاري قديم هام قبل الميلاد يصل حضرموت بالطرق التجارية الرئيسية .

وللهجرين عدة أسماء اشتهرت بها منها أم الهجر واصفا إياها عملاق الأغنية الحضرميه المحضار يرحمه الله بقوله:

دوعن تسرك بالجمال

(أم الهجر) شمخ الجبال

وقصيدة إخرى للشاعر المفلحي التي غناها الدكتور الفنان أبوبكر بلفقيه تقول أبياتها:

سقا(أم الهجر) منتبك يالغصن المورد

منازل تنبت الجوهر وطيب العود والند

وقال آخر:

سلام يا (أم الهجر) يادقم رحماني

يالحيد يالمنتصب يا صنعة الرحمن

خائف على( الغار) لا تحرقه نيراني

بعد المحبة وقعنا وسط نيران

من شاف عتم (القزه) قال معياني

كم من طويلة رصن تشرب على المعيان

وعن سبب تسمية الهجرين فقد جاء في القاموس المحيط «الهجران» مثنى، ومفرده «هجر»، وهي القرية بلغة حمير والعرب العاربة، وذكر الهمداني في صفة جزيرة العرب «الهجران قريتان متقابلتان في رأس جبل يطلع إليه من كل جانب يقال لأحدهما (خيدون) وقد سكنها بنو الصدف من كنده وللأخرى (دمون) وسكنها بنو الحارث المذكورة في أشعار امرئ القيس، ودمون اسم لساقية (مجرى ماء) وقال المؤرخ ابن عبداللاه في كتابه معجم البلدان: «هي واقعة في حضن جبل فارد جاثم على الأرض من غير عنق وموقع الهجرين في جنبه الأيسر وعلى حارك ذالك الجبل بلدة صغيرة يقال لها «المنيظرة» وجنب ذالك الجبل من جهة الشمال آثار دمون».


جامع الهجرين الخرساني يفسد جمال العمارة الطينية ( اعتذر لعدم ظهور الصورة )

الأماكن التاريخية:

-1 دمون :

موطن الشاعر والملك الضليل امرؤ القيس بن حجر الكندي وآبائه وأجداده وقاعدة مملكة كنده وقد ذكرها في أشعاره:

تطاول الليل علينا دمون

دمون إنا معشر يمانيون

وإنا لأهلنا محبون

وقال:

كأني لم أسمر بدمون ليلة

ولم أشهد الغارات يوماً بعندل

-2 جبل صيلع:

تقع على هذا الجبل قرية صيلع ويسكنها آل بن محفوظ الكنديون ويحكى أن فيه أتاه خبر مقتل أبيه فقال قولته المشهورة (تركني أبي صغيراً وحملني دمه كبيراً اليوم خمر وغداً أمر)

أتاني وأصحابي على رأس صيلع

حديث أطار النوم عني فأفعما

-3 المنيصور:

ويوجد به جوابي للمياه ونقوش ومنحونات طمست مع مرو الزمن ويحرص السياح الزائرون على الصعود إليه رغم أن الطريق المؤدي إليه وعرة وجبلية.

-4 كهف القزه:

أكدت الأبحاث أن تاريخه يعود إلى العصر الحجري وقد ذكره الهمداني بقوله (ولهم غيل يصب من سفح الجبل).

وتتميز بكثرة مساجدها التي تعتبر منارة علمية لاستقطاب العلماء.

-5 بيت الإمام المهاجر:

وهو مقام للإمام المهاجر حيث تقام فيه الطقوس الدينية في الأعياد وتعلم أمور الدين ويسمى غرفة المهاجر أحمد بن عيسى الذي دخل الهجرين بعد هجرته من العراق سنة 318هـ.

وهناك بعض الأماكن الدينية الأخرى كغرفة الحبيب علي بن حسن العطاس وزاوية الشيخ أحمد بالوعار التي اندثرت وطمست معالمها ووجود قبور مقدسية في شرق المدينة.

وتمتاز الهجرين بكثرة مساجدها المنتشرة في شرق وغرب ووسط المدينة وبين الأزقة الضيقة ويعتبر مسجد الشيخ طاهر باداس ومسجد الجامع من أقدمها و قبلة ومنارة علمية لكل من يأتي إليها.. ومن المساجد (مسجد باكزبور، فاطمة الزهراء، المسمر، القرن...وغيرها).


بيت الامام المهاجر بمدينة الهجرين بني عام 318 هـ ( اعتذر لعدم ظهور الصورة )

الطوفان المسلح

من المعلوم أن للهجرين منذ عصور قديمة مكانة رفيعة مما جعلها محل اهتمام الدولة والمهتمين بالتاريخ والثقافة وقد ظلت خلال الفترة السابقة في طي النسيان وتجاهل لموروثها الحضاري والتاريخي وبعد تحقيق وحدة الوطن المباركة حظيت بتقدير القيادة السياسية وتجلى ذلك بإعلانها محمية تاريخية وثقافية وطنية وتم إعداد ملف خاص بها أعدته جامعة حضرموت لتصبح مرشحاً وطنياً لتسجليها في قائمة مدن التراث العالمية (اليونسكو) وقام رئيس الوزراء السابق عبدالقادر باجمال ومدير عام اليونسكو في فرنسا وعدد من المسؤولين والهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية بزيارتها وأعجبوا بما رأوه من إرث حضاري وتاريخي وفن معماري متفرد إلا أنه عاشت و تعيش حالة من العبث جراء ما ارتكبه البعض من خدش للعمارة الطينية التي أبدلوها بخرسانة إسمنتية غيرت من ملامح التطابق مع بيئة الوادي وخدشه لون العمارة الطينية وأصبح بمثابة طوفان مدمر فأين الجهات المعنية من وضع قانون صارم لكل من تسول له نفسه العبث بحاضرة امرئ القيس وقبلة الإمام المهاجر؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق